من صنع الفجوات؟ الرد على مبالغات مركز صنعاء حول دور ابوظبي في اليمن

من صنع الفجوات؟ الرد على مبالغات مركز صنعاء حول دور ابوظبي في اليمن

تُظهر افتتاحية مركز صنعاء للدراسات حول التطورات الأخيرة في اليمن انحيازًا تحليليًا واضحًا يلمّع الدور الإماراتي محوّلة انحرافاً استراتيجيًا متعمّدًا إلى "دعم خلّف فجوات ". هذا التوصيف لا يخلو من خطورة سياسية إذ يُعيد صياغة عقدٍ كامل من التفتيت واضعاف الدولة والتدخل العسكري ليجمل بلغة دبلوماسية رقيقة مشروعًا ممنهجًا لإعادة رسم الخريطة اليمنية بما يخدم أجندة النفوذ الإماراتي الإقليمي.

المغالطة الأولى تكمن في مقولة أن "الانسحاب الإماراتي خلّف فجوات أمنية وخدمية"وكأن أبوظبي كانت تملأ فراغًا للدولة اليمنية. ابوظبي لم تبن مؤسسات دولة بل أنشأت جيوشًا موازية خارج الشرعية يرتبط ولاؤها بأبوظبي لا اليمن. تلك التشكيلات لم تكن دعمًا بل أدوات تفتيت ممنهج للسلطة الشرعية. حتى المشاريع الخدمية التي تُقدَّم كدليل "دعم إنساني" كانت أدوات نفوذ سياسي . فالمستشفيات والمبادرات لم تكن غايةً تنموية بل وسيلةً لإحكام السيطرة الميدانية وترسيخ الحضور الإداري والعسكري والدليل سحبها بعد الانسحاب.

في الحقيقة، لم تترك الإمارات “فراغات” بل خلقت فراغًا منهجيًا بتدمير بنية الدولة وبناء كيانات موازية تُدار من خارجها. إن دعوة المركز للسعودية لملء هذه "الفجوات"تعني عمليًا مطالبة الرياض بإصلاح نتائج مشروعٍ خارجي خدم استراتيجيات السيطرة. وكأنها مطالبة بتعويض الخسائر الناتجة عن تخريب مدمر لحليفٍ سابق.

أما سردية "مكافحة الإرهاب" التي تبناها المقال من رحم السردية الاماراتية. فتمثل ثاني المغالطات الجوهرية. فوفق تحقيقات دولية لوكالة "أسوشييتد برس" وتقارير أممية وجمعيات حقوقية عقدت الإمارات صفقات سرّية مع عناصر القاعدة في المكلا وأبين وشبوة. سمحت لهم بمغادرة المدن بأسلحتهم بل ودمج بعضهم ضمن التشكيلات التي أنشأتها. كما وثّقت الأمم المتحدة انتهاكات جسيمة في السجون السرية التي أدارتها ابوظبي في عدن وحضرموت. استخدامرا "مكافحة الإرهاب" كان غطاءً لأجندة السيطرة على الموانئ والممرات البحرية، لا استراتيجية أمنية حقيقية.

الافتتاحية تمارس في الوقت ذاته نوعًا من “التبييض اللغوي” للدور الإماراتي. فهي تصف انقلاب المجلس الانتقالي على الحكومة الشرعية بأنه "توسع للفصيل المدعوم من الإمارات"بينما الواقع أن المجلس صنيعة إماراتية بالكامل: تأسيسًا وتمويلًا وتسليحًا وتوجيهًا. منذ 2017 صممت أبوظبي المجلس الانتقالي كأداة سياسية وعسكرية لتحقيق هدف الانفصال وتقويض الشرعية. وعندما نُفّذ انقلاب عدن عام 2019 كانت الإمارات تموّله وتشرف على عملياته ميدانيًا. هذا ليس خلافًا سياسيًا بين فصيلين بل خيانة مقصودة داخل التحالف استُخدمت لإقامة كيان بديل يخدم النفوذ الإماراتي في الجنوب ويقطع صلة الحكومة المركزية بمواردها الحيوية.

ورغم ذلك، تصف الافتتاحية الأزمة بأنها "اختلاف في الرؤى بين السعودية والإمارات" متجاهلة أن ما حدث لم يكن اختلافًا بل صدام استراتيجيات واهداف. فالسعودية قادت التحالف لاستعادة الشرعية ووحدة اليمن، بينما استغلّت الإمارات الوضع لبناء نفوذ عسكري واقتصادي دائم يؤمن لها الموانئ والممرات واستثمارات الطاقة. تحميل الرياض مسؤولية “ملء الفجوات” هنا يعني ببساطة مطالبة الضحية بإصلاح ضرر تسبب فيه شريك استغل التحالف لصالح طموحه الخاص.

وتزداد المفارقة حين تعتبر الافتتاحية أن "الوضع في اليمن اختبار لمكانة السعودية الإقليمية" وكأن الخلل في الإرادة السعودية لا في ازدواجية شريكها. فالسعودية لم تُختبر في قدراتها بل في اسلوبها بالتعامل مع خيانة داخل صفوف التحالف نفسه. حين اضطرت لإجبار الإمارات على الانسحاب تحت الضغط. لم يكن ذلك انسحابًا طوعيًا كما يوحي الخطاب الإعلامي بل تصحيحًا لازمًا لتوازن ميداني اختل بفعل المشاريع الانفصالية التي قادتها أبوظبي.

كما ينتقد المقال ما يسميه "النهج السعودي القبلي" وهو نهج قديم لم يعد قائماً.متجاهلاً انه رغم عيوبه حافظ على تماسك اليمن خلال عقود فيما النهج الإماراتي القائم على تفريخ المليشيات والانقسامات العنيفة قوض الجنوب في سنوات معدودة. فمن عدن إلى سقطرى، تركت أبوظبي وراءها منظومات أمنية مفخخة، واتفاقات متقاطعة المصالح، ونخبًا عسكرية بلا عقيدة او ولاء وطني، مما عمّق الانقسام وأضعف فرص السلام المستقبلي.

ان ما يقدمه مركز صنعاء ليس تحليلًا موضوعيًا بل خطاب "حياد لغوي"يفضل التوازن والحياد الشكلي على المنهج التحليلي الرصين. فبدل مواجهة جوهر الأزمة - احتلال مقنّع بمصطلحات الدعم والخدمة - يقدّم المقال رواية توافقية تُعفي المتهم الحقيقي من المساءلة وتحمّل المتضرر عبء الإصلاح.
دون الشجاعة بتسمية الأشياء بأسمائها يبقى التحليل مجرد كلام دبلوماسي جميل لا يُعالج المشكلة بل يُخفيها.