القضيه الجنوبيه !
يتحدث الجميع عن عدالة القضية الجنوبية، لكن لا أحد يوضِّح ما الذي تعنيه هذه "القضية العادلة" بالتحديد!!. وأشك أن أحداً لديه مفهوم واضح متماسك عن هذه القضية!
حين يقال "قضية جنوبية" فهذا يفترض بالضرورة وجود مظلومية تخص الجنوب، بوصفه كياناً جغرافياً اجتماعياً محدداً، في مواجهة طرف آخر مقابل، يفهم ضمناً أنه الشمال. وتعني هذه المظلومية حالة تمييز ممنهج، تستهدف الجنوب.
فهل توجد حقاً مثل هذه القضية؟
عندما بدأ الحديث عن "القضية الجنوبية" حاولت البحث عن مضمون حقيقي لقضية تخص مواطني الجنوب تحديداً، فلم أجد سوى مسألة واحدة يمكن وصفها - تجاوزاً - بأنها "قضية جنوبية". تتمثل هذه المسألة في الصدمة الاقتصادية التي تعرض لها المواطن في الشطر الجنوبي عند قيام دولة الوحدة عام 1990، نتيجة التحول الهيكلي العنيف من "دولة الرعاية الاشتراكية" التي تضمن الوظيفة والخدمات وتدعم السلع، إلى "اقتصاد السوق الحر" التنافسي دون تمهيد أو أدوات تأهيل أو سياسات انتقالية. M
كانت تلك قضية عادلة تستوجب معالجة اقتصادية انتقالية مدروسة؛ كإنشاء جهاز انتقالي خاص لدعم المشاريع الصغيرة بقروض ميسّرة، وتوفير أراضٍ بأسعار مناسبة للأنشطة الإنتاجية، وتشجيع التأهيل المهني عبر منح وإعانات دراسية مؤقتة، وغيرها من السياسات التي تُيسّر عملية الانتقال الاقتصادي والاجتماعي. غير أن هذه القضية غابت عن وعي القائمين على إدارة المرحلة، وعن حسابات النخب السياسية آنذاك، فضاعت فرصة وضع تدابير الحماية الاجتماعية اللازمة، وهو ما يكشف عن تعاطٍ تبسيطي وعاطفي مع حدث مصيري بحجم الوحدة
وهو النهج الذي انسحب لاحقًا على بقية الترتيبات الضرورية لبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة راسخة، تلبّي تطلعات اليمنيين جميعًا.
ومع ذلك فإن ما حدث - رغم خطورته - لا ينهض قانوناً لوصفه بـ "قضية جنوبية" قائمة بذاتها، بل يمثل خللاً في السياسات العامة للدولة الانتقالية حينها. وبطبيعة الحال فإن هذه المسالة تجاوزها الزمن، ولم يعد لها وجود فعلي اليوم.
أما ما يجري تداوله اليوم تحت لافتة "القضية الجنوبية"، فلا يمتّ بصلة إلى هذا المعنى.
فتسريح عدد من القيادات المدنية والعسكرية بعد حرب 1994، لم يكن إجراءً جهويًا، بقدر ما كان جزءًا من سياسة إقصاء انتهجها نظام استبدادي ضد خصومه السياسيين في عموم البلاد، وهي مظلمة حقيقية تخص مواطنين يمنيين يستحقون الإنصاف وجبر الضرر. لكنها قضية وطنية عامة لا قضية جنوبية خاصة، وقد اتُّخذت بالفعل إجراءات لمعالجتها في مراحل لاحقة.
ومسألة ضعف تمثيل أبناء الجنوب في هرم السلطة - حتى بافتراض صحة هذا الادعاء -فإن جذورها لا تكمن في استهداف ممنهج ضد الجنوب، بل في طبيعة سلطة مستبدة فاسدة احتكرت القرار والثروة على حساب اليمنيين جميعًا، شمالًا وجنوبًا. فهي قضية يمنية تتعلق باليمنيين جميعاً ولا تخص الجنوبيين فقط. والحل هنا ليس في تفكيك الوطن، بل في بناء دولة ديمقراطية حديثة تضمن المشاركة العادلة للجميع.
وأما واقعة نهب الأراضي والممتلكات العامة في الجنوب، فهذه الأراضي والممتلكات العامة ملك للدولة، أي لليمنيين كافة. وقد شارك في العبث بها نافذون من الشمال والجنوب على حد سواء، وجرى نحوها في الشمال ايضاً، ومعالجتها تكون عبر سيادة القانون وعدالة انتقالية شاملة، لا عبر توصيف جهوي مضلل
ومسألة الادعاء بطمس "نمط ثقافي جنوبي خاص" أو "هوية جنوبية"، فهو ادعاء يفتقر إلى أساس واقعي. فالمجتمع اليمني متجانس إلى حد بعيد، ولا يقوم على انقسامات عرقية أو دينية أو مذهبية أو ثقافية حادة، ولم يعرف تاريخياً اصطفافات صراعية على أي من هذه الأسس. والمطلوب هو تعميق الاندماج الاجتماعي، لا اختراع هويات متقابلة.
ومسألة توصيف حرب 1994 كحرب شمالية ضد الجنوب: توصيف زائف، لقد كانت حرباً شنها فصيل سياسي ضد فصيل سياسي آخر داخل دولة واحدة، بقصد الاستحواذ على السلطة، ولم تكن أبداً حرباً جهوية، بل شارك فيها يمنيون من الشمال والجنوب في كلا الطرفين، وكانت طلائع القوات التي دخلت عدن من أبناء الجنوب، أغلبهم من الذين أُقصوا في صراعات سابقة داخل الجنوب
وآخر تلك المسائل الادعاء بحق "استعادة دولة كانت قائمة ومعترفًا بها". ويغفل من يردد هذا الادعاء عن حقائق قانونية وتاريخية جوهرية: فتلك الدولة التي استمر وجودها 22 سنة و5 أشهر و21 يوما لاغير؛ كانت – بنص دساتيرها - دولة "مؤقتة" حتى قيام الدولة اليمنية الواحدة، وهو ما تحقق في 22 مايو 1990، فدساتير تلك الدولة نفسها تنفي إمكانية استمرارها، بل تؤسس لانتهائها؛ وبالضرورة تنفي إمكانية استعادتها مرة أخرى. فقد نصت المادة (1) من الدستور الصادر عام 1970 على أن «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية جمهورية ديمقراطية شعبية ذات سيادة، وتسعى لتحقيق اليمن الديمقراطي الموحد».
ونصت المادة (2) على أن «الشعب اليمني شعب واحد، وهو جزء من الأمة العربية، والجنسية اليمنية واحدة». وهو ما أكدته نصوص الدستور الصادر عام 1978، وجاء في المادة (1) منه «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية جمهورية ديمقراطية شعبية ذات سيادة... وتسعى لتحقيق اليمن الديمقراطي الموحد...» ونصت المادة (2) منه على أن «الشعب اليمني شعب واحد، وهو جزء من الامة العربية، والجنسية اليمنية واحدة، وتكون اليمن وحدة تاريخية واقتصادية وجغرافية».
إن استمرار الترويج لما يسمى "القضية الجنوبية" لا يخدم في جوهره سوى دائرة ضيقة من النخب التي وجدت في هذا الخطاب مورداً للتكسب السياسي والمادي، أما عامة الناس الذين استدرجوا بأوهام الرفاه والثراء عبر خطاب الانفصال، استناداً إلى محدودية عدد السكان مقابل الثروة النفطية في الجنوب؛ فقد جرى دفعهم إلى تصور ساذج وفرضيات غير دقيقة، تتجاهل أن الثروات الطبيعية ليست حكراً على الجنوب، والنفط ذاته مورد ناضب لا يمكن أن يكون وحده أساساً لمشروع دولة قابلة للحياة، وإن الازدهار الاقتصادي لا يتأتى عبر تفكيك الدولة، بل ببناء دولة كبيرة، بطاقات بشرية متنوعة، واستقرار سياسي، وعدالة اجتماعية، في إطار دولة مدنية ديمقراطية مؤسسية عادلة، تحظى برضا مواطنيها جميعاً، وقادرة على حراسة مكتسباتهم.
وبعد.. فإن كان هناك من عذر للبعض في استمرار ترديده لمصطلح "القضية الجنوبية" عن جهل أو طلب مصلحة، فما هو عذر قيادات رسمية وسياسية في إصرارها على تبني هذا المصطلح. هل حقاً لا يدركون زيفه، أم يدركون ذلك لكنهم يستسلمون لابتزاز القوى التي تسترزق منه. وفي الحالتين فإن هذا السلوك جريمة في حق الوطن، وفي حق اليمنيين جميعاً، ليس لأنه يكرِّس الوعي الزائف على حساب تغييب المشاكل الحقيقية فحسب؛ لكنه أيضاً يولِّد مشكلة جديدة وهمية لا أساس لها.
ففي ظل بؤس الواقع وتفشي المظالم، فإن استمرار ترويج مصطلح "القضية الجنوبية" يخلق مظلومية وهمية تولِّد شعوراً جمعياً بالغبن لدى البسطاء في الجنوب لا يمكن تجاهله، وهو الذي يفسر استدعاء الهوية الجهوية للحل الموهوم. ونتيجة ذلك إهدار الطاقات والمقدرات الوطنية في معالجة قضية لا وجود لها، لكن الأخطر من ذلك أن يصبح مبرراً لتسويغ جريمة التجزئة.
هل حانت لحظة الحقيقة، ودفن هذا المصطلح إلى الأبد!!
إن اختزال أزمات اليمن المركبة في لافتة واحدة تُرفع باسم الجنوب ليس دفاعًا عن الحقوق، بل هروب من الحقيقة. فالمظالم التي يجري الحديث عنها، من إقصاء ونهب واستبداد...إلخ لم تمسّ جهة دون أخرى، بل طالت اليمنيين جميعًا بلا استثناء. وكل محاولة لتزييف هذا الواقع وتحويله إلى صراع جهوي ليست سوى خطوة على طريق تمزيق الوطن.
ليكن انعقاد المؤتمر الجنوبي القادم في الرياض - رغم تحفظي على مبدأ انعقاده من الأساس - هو خاتمة المطاف في التمسح بهذا المصطلح، وليعلن المجتمعون بكل وضوح أن القضية الجنوبية هي قضية اليمن الكبير، قضية واحدة لا تتجزأ: هي استعادة الدولة وإعادة بنائها على الأسس التي ارتضاها اليمنيون في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الدولة المدنية الديمقراطية المؤسسية الحديثة، وما عدا ذلك، أوهام تُسوَّق، وأحلام كاذبة يُراد بها اقتسام الخراب.