حرب صيف 94 بين التزوير والاستثمار (5-8)

حرب صيف 94 بين التزوير والاستثمار (5-8)

فتوى حرب 1994 وقميص عثمان
في اعتقادي لقد كان الفخ الذي نصبه اشتراكيو الشمال -بحسن نية وسوء تقدير للأوضاع- للحزب الاشتراكي كرأس السلطة الجنوبية أنه بتوحد اشتراكي الجنوب مع اشتراكي الشمال والدخول في الوحدة اليمنية، مع قوة التنظيم والتنظير باعتباره الحزب التقدمي المدني، بينما الشمال قطاع قبلي متخلف رجعي، كما كان الاشتراكيون في الشطرين يصفونه، كل هذه العوامل ستلتهم الشمال من قبل الجنوب، وستكون اليد العليا والكلمة الأولى للحزب الاشتراكي في اليمن الموحد، وما يدعم ذلك قوة المواجهات والاكتساح في جبهات المناطق الوسطى قديماً وباقية في أذهانهم حتى عام 1994، والاعتماد على قوة تواجدهم في محافظتي تعز وإب، وهو الفخ الذي وقعت فيه السلطة في الجنوب وهرولت إلى الوحدة، فضلاً عن المتغيرات الدولية والأسباب الاقتصادية، وفي مقابل ذلك ترك اشتراكيو الجنوب اشتراكيي الشمال بعد إعلان علي سالم الانفصال والحرب في 1994 دون رعاية أو اهتمام من الجنوب، والتحق الكثير منهم مع المصالح التي كان يوفرها لهم حزب المؤتمر الشعبي العام، بينهم قيادات سياسية مختلفة وضباط من رتب مختلفة، كما التحق بقية قيادات اشتراكي الجنوب بالحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام، وقادوا من داخله حرباً ضد الإصلاح باسم المؤتمر الشعبي العام، ووفروا مظلة جديدة لكوادرهم، وفي النهاية استطاعوا مع جناح الناصريين والإماميين داخل المؤتمر التغلب في تلك الحرب وشقوا التحالف بين الإصلاح والمؤتمر، بينما بقي الجناح غير المدمج في المؤتمر مع بقية الأحزاب لتكوين اللقاء المشترك فيما بعد، وصولاً إلى أحداث 2011، ليقول بعدها ياسين سعيد نعمان (أمين عام الاشتراكي حينها)، والناصري عبدالله نعمان (أمين عام الوحدوي الناصري) إن الهدف والغاية من تكوين اللقاء المشترك قد زال ولم يعد من مبرر لبقائه، وكانت من أهم الخطوات السياسية في ذلك التكتل التي سحبت مع الجائحة الحوثية لغزو العاصمة والانقلاب على الدولة وفكفكة الجبهة المتصدرة حينها!
قبل خوض تلك الحرب كانت الأزمة تتجه للتصاعد وأن الحرب تحصيل حاصل ستنفجر في أية لحظة خاصة بعد رفض علي سالم البيض العودة إلى صنعاء بعد توقيع وثيقة العهد والاتفاق، لتزداد الأزمة اشتعالاً والحرب الإعلامية في ذروتها، وقد بدت بوادرها منذ عام 1992 فيما سمي بالفترة الانتقالية.
كانت وسائل الإعلام للاشتراكي والناصري والبعث بشقيه تخوض أقوى المعارك الإعلامية وتركز كل تركيزها على الشيخ الزنداني واعتباره الرجل الإرهابي الأول في البلاد، حتى أنهم اتهموه بإقامة معسكرات الجهاد في الجوف لا لخوض الحرب ضد الاشتراكي في الجنوب وحسب بل صوروه بأنه سيواجه العالم بتلك المعسكرات، وحرضوا وطالبوا أمريكا بقصف هذه المعسكرات التي لا وجود لها على أرض الواقع في الجوف!
لفقوا للزنداني تهماً مختلفة كسبها ضدهم في المرافعات القضائية، وصلت حد القذف للرجل وتشويه عرضه، ورغم تبرئة القضاء له وإدانة الملفقين لم يستسلموا وظلوا يشوهون صورته في كل منبر ومحفل واعتبروا القضاء منحازاً له، ولفقوا له تهمة فتوى تكفير الجنوبيين بشكل عام واستباحة دمائهم، قبل أن يعودوا في وقت لاحق ويلصقوا التهمة بالشيخ عبدالوهاب الديلمي، دون تقديم أية أدلة على ذلك، وقد تبرأ منها الديلمي في أكثر من مناسبة أكرر الطرح عليه كصحفي ينقل ما علق بأذهان الناس من خلال تلك الحرب الإعلامية، لكنه كان يقسم الأيمان المغلظة أنه لم يُفتِ بذلك، وهو يرد على سؤالي له عن هذه الفتوى آخر مرة في منتدى الدكتور غالب القرشي عند استضافته في ندوة عام 2013، وفي أكثر من لقاء صحفي كذلك.
سنجد أن أول مقابلة صحفية لصالح بعد انتهاء الحرب وإعلان الانتصار يدفع تهمة الإرهاب عن الزنداني ويقول بالحرف الواحد: "من هو الإرهابي؟ هل الذي يخطب في المساجد أم الذي يقصف المستشفيات والأحياء المدنية بصواريخ اسكود؟" وهو يقصد بذلك الاشتراكي.
الحقيقة كانت هناك تحركات من الشيخ الزنداني في تعبئة المعسكرات والتنقل في الخطب المختلفة، بعد إعلان الشرعية حينها التعبئة العامة على كل المستويات؛ باعتباره عضو مجلس الرئاسة في ذلك الوقت، وكل استنفر جهته وجماهيره وقواعده، وشهدت تلك الفترة تعبئة عامة منقطعة النظير لم نر مثلها إلى اليوم، وكم كنا نتمنى من الرئيس هادي في 2014، أو الرئيس العليمي اليوم إعلان التعبئة العامة لمواجهة الانقلاب الحوثي كتلك التي حدثت في 1994.
في تحركات الزنداني تلك كان يتهم الاشتراكي بالشيوعية والعمل ضد البلاد وتفريق الكلمة وشق الوحدة والخروج عن الطاعة، لكنه لم يكفر ولم يبح دماء الجنوبيين بشكل عام كما قيل في وسائل الإعلام، لكنه ألَّب على قيادتهم ومن يعبئ للقتال، فقد كانت حرباً سياسية وإعلامية قبل أن تكون حرباً عسكرية أيضاً، وكان كل طرف يحشد ما عنده من حرب كلامية إعلامية ضد الطرف الآخر، ولم يكن الطرف الآخر يوزع وروداً على الآخرين بل شيطنهم بكل وسيلة هو وحلفاءه من الإماميين والناصريين والبعثيين، وقاد ضدهم رأياً عاماً حتى قلبوا الصورة ضده وصوروه كما لو كان الشيطان نفسه وتركوا ما يفعلون!
كان كل طرف يحرض على الآخر، ولم يدخر كل طرف وسيلة إعلامية وكلمة تشويهية وسلاحاً إلا واستخدمها؛ فهي حرب كلامية إعلامية ونفسية في نهاية المطاف بين هذه الأطراف كلها. فقيادة الاشتراكي المختلفة كانت في جولات مكوكية في المنطقة والعالم لحشد الرأي ضد صالح والشمال عموماً والإصلاح والزنداني على وجه الخصوص، واليوتيوب مليء بهذه التحركات والزيارات والتصريحات الإعلامية. وكان مما يؤكده الزنداني أكثر من مرة في لقاءات ما بعد تلك الحرب -للأمانة والموضوعية- فقد كان هو الذي يوعز للرئيس صالح بإصدار العفو العام على الجنوبيين عقب كل حدث ابتداءً من عمران وحتى بعد إعلان الانتصار في 7 يوليو 1994، اقتداءً بالسنة النبوية للنبي الكريم، رغم كل ما قيل في حقه من تشويه.
كان الشيخ الزنداني يتحدث ذات مرة، في بعض اللقاءات، وحتى بعض محاضراته وخطبه، أن اليمنيين سابقاً تواجهوا وجهاً لوجه في الحروب الدائرة مع الآخرين. قال: "لقد تواجهنا وقاتل بعضنا بعضاً في أفغانستان إبان الحرب مع السوفييت أثناء غزو أفغانستان وفتح معسكرات الجهاد للمتطوعين العرب والمسلمين؛ فكان اليمني الجنوبي يقاتل في صف الاتحاد السوفيتي (مع الشيوعية)، واليمني الشمالي في صف المجاهدين الذين يقاتلون لتحرير أفغانستان"، لذلك لم تكن الحرب والتعبئة بسيطة في تلك الفترة؛ فكل استخدم أقصى ما لديه من الخبرة والحرب الإعلامية والنفسية.
وكأن الزمن قد توقف عند إخواننا الجنوبيين في تلك المحطة، ولم يعودوا قادرين على التفكير خارج ذلك الإطار (التكفير والفتوى) رغم امتلاكهم القوي لكل وسائل الإعلام داخلياً وخارجياً وبدعم من دول أخرى، ساعدهم في ذلك سيطرة كوادرهم الإعلامية على مراسلات الصحف والقنوات والإذاعات الخارجية حتى كونوا رأياً عاماً وبحراً هائجاً من الدعايات التي أغرقت الجميع في قعرها حتى صدق الجميع ذلك ممن لم يعايش الأحداث ويعيش فيها عن قرب.
ففي كل محفل أو منتدى إعلامي أو مؤتمر صحفي أو سياسي فإن أول سؤال يبادرون به هو عن فتوى حرب 1994، حتى سيطرت على أذهانهم إلى اليوم، وكان أول سؤال طرح على القيادي عبدالرزاق الهجري في لندن من قبل الجنوبيين قبل أيام، مما حدا بعيدروس الزبيدي بعد سيطرته على الجنوب اليوم أن كان أول قرار اتخذه هو إنشاء مرجعية دينية وهيئة فتوى وكأنها العامل الحاسم في أي انتصار!
لقد مضى الانتقالي في هذه الجبهة التي لم يخرج من قوقعتها، ويركز خطباؤه على الإفتاء باستحلال دماء الشماليين، كما يفعل الحوثيون اليوم أيضاً بحق خصومهم، ورغم أن فتوى الديلمي لم يقدم فيها أي دليل ونفي الرجل المتكرر لها إلا أن خطباء الانتقالي اليوم أصدروا أكثر من عشر فتاوى لقتال الشماليين باعتبارهم خوارج وإخوان مسلمين (إخوان الشياطين) وإرهابيين وغزاة محتلين، وأعلنوا ذلك على وسائل الإعلام المرئية ورؤوس الأشهاد، بل وبكل فخر، ولم يشف صدورهم كل هذا فتراهم يكررونها بين فترة وأخرى وموقف وآخر، وكأن الزمن وقف بهم عند هذه النقطة ومن أفتى بذلك، حتى أنهم استحلوا دماء العلماء المخالفين لهم وأيدوا قتلهم في عدن، وأبرزها أربع فتاوى؛ لهاني بن بريك، والسعدي، وعبدالله شعيفان، وغيرهم من الخطباء المحرضين والمتفرغين لهذا العمل كتوجيه معنوي في الجيوش والمعارك المختلفة مقابل منح مالية عالية توزع عليهم من كل صوب.
حسم حرب 1994 لم يكن بسبب الفتوى؛ بل بسبب العوامل السابقة التي ذكرناها آنفاً، والظروف الموضوعية على الأرض، ومناصرة الجنوبيين أنفسهم للشرعية للثأر من انقلاب 13 يناير وتهجيرهم والمذابح التي أقيمت بحقهم في عدن، أو توقاً للانعتاق من بقية الجنوبيين الآخرين بمن فيهم أولئك الذين انوا في صف سلطة الاشتراكي ولم يقتصر الأمر على تيار علي ناصر وعبدربه منصور هادي.
وأنا أبحث عن أصل الفتوى لم أجد دليلاً عليها، وما ظهر أنه صوت الديلمي في تسجيل تلك الفتوى أنكره الديلمي وحتى أنه أقسم أيماناً مغلظة أنه لم يكن صوته ولم يفت بذلك وأنا أطرح عليه سؤالاً بهذه القضية عند كل لقاء، وكان آخر لقاء وسؤال له في منتدى الدكتور غالب القرشي عام 2013 للحديث عن هذه الفتوى المزعومة.
من يدقق في الصوت فإن المفتي يتحدث بلكنة صعداوية التي لا يتنازل الناطقون بها عن عمد في النطق ب(الجاف)، مع أن العلماء الآخرين يتعمدون ويحاولون استخدام القاف واللغة الفصيحة ما أمكن، ويبدو أنه مفبرك من بعض الإماميين الذين وقفوا وساندوا الاشتراكي في تلك الحرب وموقفه السياسي معلن ولا يخفونه، خاصة وأن أول من أظهر هذا التسجيل وتحدث به في وسائل الإعلام فقد كانت صحيفة الشورى الإمامية التي صدرتها/ه للإعلام، وأيضاً أنه لا يمكن القول بالإجماع في هذه المسألة بين العلماء (كما ظهر في تسجيل الفتوى والقول بإجماع العلماء في قتل الأطفال والنساء المتحصن بهم المحارب المخالف أو الكافر)، ولا يمكن للديلمي وهو عالم كبير أن يقول بمسألة الإجماع؛ فالمسألة خلافية أساساً، وقد طبق عكسها المسلمون في تاريخهم وفي كل معاركهم مع الكفار ناهيك عن المسلمين؛ فقد تجنبوا الأطفال والنساء حتى لو تترس العدو بهم، ولكن بالعودة إلى الكتب التاريخية وسِير الأئمة السلاليين وفكرهم وفقههم وفتاواهم وجدنا أصلاً لهذه الفتوى، وأنها قد استخدمت ضد اليمنيين منذ قديم الزمن، عند كثير من الأئمة وإن كانت بطرق متقاربة ومختلفة، ومن أفتى بمثلها هو السفاح عبدالله بن حمزة، كبير الأئمة الهادويين الذين طوعوا كل شيء لصالح قتالهم مخالفيهم واستحلال دمائهم، ولأن الديلمي هاشمي من سلالة إمامية تاريخية (لكنه تسنن) وأصوله البعيدة من بلاد الديلم الفارسية، وفكره وعلمه وثقافته شاملة لكل المذاهب السنية والشيعية، فقد يكون أورد هذا الرأي ضمن آراء مختلفة لبقية المذاهب فتم قصقصة ومنتجة هذا الأمر كما هو حال المواد الإذاعية والمتلفزة، ناهيك أن تكون في صلب الحرب الإعلامية والكلامية والتعبئة العامة.
.... يتبع