الوحدة اليمنية ومحورية الدور السعودي

الوحدة اليمنية ومحورية الدور السعودي

في تسارع دراماتيكي للأحداث، شهد اليمن لحظة حرجة حين بسطت قوات المجلس الانتقالي، المدعومة إماراتيًا، سيطرتها على محافظات حضرموت والمهرة، موسعة نفوذها في الجنوب والشرق، ومعلنة مشروعًا سياسيًا قائمًا على تجزئة الجمهورية. عندها، كادت فكرة الوطن الواحد أن تصل إلى حد الانكسار، مع تراجع الدولة تحت وطأة الانقسامات وتقدّم مشاريع التفكك باعتبارها واقعًا مفروضًا، لا تهديدًا مستقبليًا فحسب.



تجاوزت التحولات السياسية والأمنية إطار الخلافات المحلية لتندرج ضمن معادلة إقليمية ودولية أوسع، إذ تمثل المحافظات الشرقية أحد أهم مخازن الثروة النفطية، وتشكل عنصرًا محوريًا في أي تصور لإعادة بناء الاقتصاد اليمني وضمان استقرار الممرات البحرية في بحر العرب. لذلك، لا يمكن فهم الأحداث كصراع عابر بين قوى قبلية أو أمنية، بل كمحاولة لإعادة رسم ميزان القوى قبل لحظة التسوية، في ظل تنافس بين مشاريع مختلفة: أحدها يسعى إلى نموذج استقرار بإدارة محلية قوية، وآخر يفضل إبقاء بنية نفوذ متداخلة تحدّ من قدرة أي طرف على الانفراد بالقرار.



في تلك المرحلة، غاب الفعل الوطني الجامع، وتفككت المواقف الحزبية داخل حسابات ضيقة، فيما وقف المجتمع شاهدًا على احتمال قريب للانقسام يهدد الكيان الوطني في جوهره. كان هذا اختلالًا بنيويًا في معادلة الدولة، حيث تراجعت فكرة السيادة الواحدة، وتقدّمت الولاءات المتصارعة، بما يفتح الباب أمام صراع طويل الأمد على إعادة إنتاج اليمن على أسس متنازعة.



وسط هذا السياق المترنح، برز موقف سياسي خارجي حاسم، رفض تحويل اليمن إلى ساحة تفكك دائم أو حرب مفتوحة، وشكّل عامل كبح لمسار خطر يؤدي إلى انهيار شامل للدولة. لم يكن هذا التدخل إجراءً تكتيكيًا عابرًا، بل تحركًا استراتيجيًا أسهم في تثبيت خيار وحدة الدولة ومنع الانزلاق نحو التفكك الكامل، وكان للمملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان دور بارز في دعم وحدة اليمن، والحفاظ على توازن إقليمي حال دون تفجير الداخل على أسس انقسامية.



وبالتالي، لا يمكن قراءة هذه اللحظة باعتبارها حدثًا معزولًا، بل مفصلًا بنيويًا في مسار الأزمة اليمنية، يوضح أن الحفاظ على وحدة الدولة لم يكن نتاج قرار داخلي فحسب، بل نتيجة تقاطع إرادات إقليمية أدركت أن انهيار اليمن لن يكون خطرًا محليًا فقط، بل تهديدًا عابرًا للحدود.



من هذا المنظور، يجب التعامل مع اليمن باعتباره كيانًا تاريخيًا–جغرافيًا مركبًا، تشكّل عبر تفاعل عميق بين المكان والزمن والإنسان، لا يُدار بمنطق السيطرة بل يُحتوى برؤية استراتيجية واعية. ومقاربة ناضجة تتطلب فهمًا عميقًا لبنية الدولة والمجتمع ، وإدراك حدود القوة والتوازنات الدقيقة بين التاريخ والجغرافيا، لأن أي محاولة لتفكيكه أو إعادة هندسته سيطلق ديناميكيات صراع لا يمكن ضبط مساراتها.



المقاربة السعودية نموذج لذلك الفهم الاستراتيجي القائم على ان اليمن ليس مجرد ساحة نفوذ أو هامشًا أمنيًا، بل امتداد تاريخي وثقافي واجتماعي متداخل، مما يجعل الحفاظ على استقراره جزءًا من الأمن القومي السعودي، ويستلزم منطق الاحتواء والحذر، لا الإخضاع أو التجريب القسري. في المقابل، أخفقت بعض المقاربات الإقليمية السطحية التي اعتبرت أن فائض القوة والمال يمكنهما إعادة تشكيل الجغرافيا وفق مصالحها، متجاهلة أن العبث بالتركيب التاريخي والاجتماعي للدول يولّد صراعات طويلة الأمد لا يمكن التحكم فيها.



في المحصلة، يُظهر اليمن أن الإدارة القسرية لا تنجح حيث يفرض التاريخ والجغرافيا قوانينه الصلبة، وأن الحفاظ على استقراره يتطلب توازنًا دقيقًا بين القوة والاحتواء، وفهمًا عميقًا لطبيعة الدولة والمجتمع، بما يجعل أي مقاربة ناجحة مبنية على استراتيجية واعية تحمي الوحدة الوطنية وتحدّ من الانزلاق نحو التفكك والفوضى المستمرة.



وقد أسهم تصحيح مركزية وحصر المسار السعودي في الملف اليمني، والانحياز الواضح إلى الدولة اليمنية، في استعادة المملكة لهيبتها الإقليمية ومكانتها الدولية المحورية التي تعرضت لمحاولات استنزاف ممنهجة خلال مرحلة المشاركة في عملية عاصفة الحزم. فقد أدت سياسات أطراف إقليمية مشاركة آنذاك إلى إضعاف مفاعيل القوة العسكرية المفترضة لاستعادة صنعاء، مقابل توجيه الجهد نحو تعزيز نفوذها في الجنوب اليمني.


وتمثل هذه الاستعادة للثقل والهيبة عاملًا محوريًا في المرحلة الراهنة، إذ تضع المملكة العربية السعودية في موقع مؤهل لرعاية أي مشاورات سياسية قادمة بين الحكومة اليمنية الشرعية وجماعة الحوثي، بما يضمن توازن العملية التفاوضية ويعزز فرص التوصل إلى تسوية تستند إلى مرجعيات الدولة وسيادتها.