ساعة مع علي محسن
في زيارةٍ حسبتها بادئ الأمر، لقاءً عادياً عابراً لكنها ما لبثت أن أصبحت دردشة عفوية صادقة خالية من التكلف، التقيت نائب الرئيس اليمني السابق الفريق علي محسن صالح لأجده مفعما بالحيوية متقد الذهن، يفيض بطاقة لا تخطئها بصيرة، على غير الصورة التي يرسمها الغياب عن السلطة. كأن المناصب لم تكن يوماً مصدر حضوره، بل الوطن، وإدراكه العميق لحجم المخاطر المحدقة به.
دار بيننا نقاش طويل امتد زهاء ساعة، كان الرجل يجلس خلف مكتبه، على يمينه فوق الطاولة كتاب "حدود مصنوعة" لمؤلفه محمد العلائي وعلى يساره دولاب زجاجي مليء بكتب أخرى في السياسة والحرب وبناء الدول وفي الجهة المقابلة له تلفزيون، بينما يزوده مستشاره الإعلامي أحمد أبو سالم لحظة بلحظة بآخر المستجدات وما يكتبه مغردون أمثال الصحفي السعودي مالك الروقي الذي ذكره بالإسم.
بينما كنا نحكي عن اليمن لاحظته يتابع كل الأحداث. تحدث عمّا يدور بحكمة رجلٍ جرّب الحرب وعرف كلفتها، وبحسّ وطني صاف دون فزلكة أو مواربة أوانفعالٍ أو مزايدة، ما دفعني لأتحدث على سجيتي وأقول ما يخطر ببالي من مداخلات وتساؤلات دون تحفظ.
حين قلت له بمرارة إن كيان الدولة كاد أن يتلاشى، ولم يبقَ منه سوى بقعتين تتنفسان في مأرب وتعز، قال مستخدما لكنته الصنعانية:
"يا ولدي، الدولة حتى لو ما عادها إلا شَخطة قلم، تبقى دولة، سيلتف الناس حولها".
ثم أضاف، مستشهدًا بالموروث الشعبي:
"وعندنا مثل يقول: لا تأمن الدولة ولو كانت رماد".
كانت كلمات قصيرة، لكنها وقعت في نفسي كوصية أبٍ حكيمٍ لابنٍ مثقل بالأسئلة، يهمّ بمغادرة قريته النائية ليصارع الحياة في مدنٍ كبيرة لا تشبهه.
يضيف محسن أن الدول لا تُقاس فقط بمساحتها على الخريطة، بل بإيمان الناس بها، وبالرجال الذين يرفضون الاستسلام مهما تكاثفت العواصف.
انتقل بنا الحديث إلى السعودية الحاضرة بقوة هذه المرة، تحدّث الرجل بحبٍ وإعجاب عن موقف المملكة العربية السعودية، واصفًا إياه بالقوي والصادق تجاه اليمن، مشيرا إلى أن السعودية دولة عريقة عظيمة، تتكئ في إرثها السياسي على الصبر الذي تتقنه، والحوار، والتفاهم، والسعي إلى حلّ المشكلات بإخوة معتمدة على أدوات سلمية. لكنها، كما قال إذا أدركت أن ثمّة مؤامرة، وأن خطوطًا حمراء يُريد طرفا ما تجاوزها، فإنها أي الرياض لا تتردد في النهوض و قلب الطاولة، واعتماد سياسة "آخر الدواء الكي".
قبل وقت من الزيارة كنت سألت مستشاره أحمد إن كان علي محسن يفضل اللقاء صباحا أو عصرا فأخبرني أن الصباح هو الوقت الأنسب، إذ يمارس الرياضة الصباح الباكر بشكل مستمر ثم يقوم بمتابعة الأحداث في اليمن والعالم قبل أن يعود لمواصلة برنامج حياته اليومي. هذا الانضباط يظهر في نشاطه و انعكس على جسده الصحي وعقله الحاضر.
التقيت علي محسن قبل عقد ونيف في لقاءات عامة أثناء عملي الصحفي كمراسل تلفزيوني، ولا أتذكر إن كنتُ قد صافحتُه وتحدثت اليه من قبل، لكني أستعيد يقينًا أول شعورٍ بالاهتمام، بل التعاطف نحوه، حين قرأتُ قبل أكثر من عقد تقريراً عنه في صحيفة الغارديان البريطانية، ضمن تغطيتها لوثائق ويكيليكس. التقرير أشار إلى برقية سرية بعثتها السفارة الأميركية في صنعاء إلى واشنطن تعود إلى فبراير 2010، ذكرت أن جهاز الدولة الأمني آنذاك زوّد قادة عسكريين سعوديين بإحداثيات موقع قُدِّم على أنه معسكر لمتمرّدي الحوثي، بغرض قصفه، بينما كان في الحقيقة مقرّ اللواء علي محسن، الذي كان يقود معارك ضارية ضد الحوثيين في الجبهة.
كشفت الوثائق أن الطيارين السعوديين أوقفوا العملية في اللحظات الأخيرة، بعد أن راودتهم الشكوك حول صحة المعلومات، ورفضوا تنفيذ القصف، مؤكدين أن الموقع المبلّغ عنه هو مقرّ اللواء علي محسن نفسه، لا معسكراً للمتمردين. وقد دفع هذا الحادث السعوديين إلى توخي المزيد من الحذر بشأن توصيات الاستهداف والاحداثات القادمة من الأمن القومي الذي كان يديره نجل شقيق صالح.
منذ تلك اللحظة بدأت أقرأ عن محسن بانتظام. لاحظت أن غالبية الصحف المتماهية مع الحوثيين، وكان كثيرٌ منها ممول أو مُدارة من سياسيين و صحفيين يؤمنون بفكر الإمامة، تشن حملة إعلامية شرسة لتشويه صورة الرجل، لصناعة صورة نمطية سلبية عنه، في وقتٍ كان يفضّل فيه الصمت، رافضًا الدفاع عن نفسه أو الظهور الإعلامي، كأنما آثر أن يترك للتاريخ مهمة الفرز، وللوقت حقّ الشهادة باعتبار أن الحقيقة وإن طال غيابها لن تخطئ وجهتها.