حرب صيف 94 بين التزوير والاستثمار (3-8)
توزيع المعسكرات في المدن والترتيب للحرب
أزعم أني بمعرفة ميدانية لمعسكرات الطرفين قبل الحرب كانت نظرتي يقينية لقيام الحرب بينهما بسبب معايشتي لكثير من الأحداث وتسجيلها في ذاكرتي كسلسلة حلقات متتابعة منذ انقلاب يناير 1986 وحتى عام 1992 والأزمة تعصف بالبلاد حينها على كافة المستويات السياسية والإعلامية والجماهيرية، لمعرفة سياقاتها ومآلاتها المختلفة، وقد كنت أحدث الكثير من الأصدقاء عسكريين ومدنيين عن قيام حرب محتملة بين الطرفين نظراً للعوامل السابقة التي سردتها بشكل نقاط ودوافع الوحدة ووصول الأطراف المختلفة إلى طريق مسدود، وكانت الاستقطابات على أشدها؛ فقد دخل الطرفان الوحدة بنوايا غير صادقة ولا مخلصة، وكل طرف يتربص بالآخر سيوجه له الضربة القاضية عند أول فرصة ومنعطف.
تلكم الأحاديث ومعرفتها ودراسة حيثياتها وتفسيرها وتخزينها جلبت لي الكثير من المتاعب؛ كون الجميع لا يحب أن يسمع مثل هذه الأحاديث خاصة إن وصلت إلى أذهان القادة حينها، بينما كانت تمثل لي كوابيس مرعبة يجافيني النوم بسببها، حتى تمنيت أن أكون جاهلاً دون قلب وإحساس!
وقد قال الشاعر المتنبي عن مثل تلك الحالات:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ يَنعمُ!
رفع الاشتراكي وبقية الأحزاب مطالب إخراج المعسكرات من المدن الرئيسة، وخاصة العاصمة صنعاء، كما أعيد ويعاد طرحها في كل مرة كما في عام 2011 و2012، و2014وهذه المرة تركز المطالب على الفرقة الأولى مدرع دون غيرها لتمهيد الطريق للغزو الحوثي لصنعاء، واليوم مطالب إخراج المعسكرات في تعز، مع كل هذه الأزمات والتربص والحصار، وعلى الرغم من ظاهرها الإيجابي إلا أن النوايا السيئة كانت هي الحادية بهذه المطالب، بحسب ما وجدناها واقعاً على الأرض، وهذا الذي يعطينا تحصيناً ومناعة وفهماً لمعرفة هذه النوايا والأجندة لما خلفها، ونعارض خروج هذه المعسكرات خاصة في هذه الظروف الصعبة من المواجهات واشتعال الحرب في الجبهات وفي المقدمة منها تعز اليوم.
وعلى الرغم من رفع مطالب إخراج المعسكرات من المدن إلا أن معسكرات الاشتراكي غير المدمجة في الجيش كانت تقف في بوابات العاصمة صنعاء من جهاتها المختلفة وخاصة من الجنوب والشمال كأهم مدخلين للعاصمة، في حين أن معسكراتهم صلاح الدين في قلب عدن، وكذلك معسكر بدر ومعسكر الأمن المركزي ومعسكرات أخرى كثيرة، ولا يتم ذكر هذه المعسكرات وخروجها من عدن!
فقد كان معسكر باصهيب في بوابة ذمار الجنوبية وبينه وبين صنعاء ساعة واحدة فقط، يقف خلفه في يريم اللواء الأول مدفعية الجنوبي، في الوقت الذي كان اللواء الثالث مدرع الجنوبي يعسكر بجانب اللواء الأول مدرع الشمالي في عمران، وهي بوابة صنعاء الشمالية، في الوقت الذي كان هناك معسكر آخر جنوبي في القفلة بعمران في مناطق حاشد، وهو اللواء الخامس مظلات، وكذلك بعض الكتائب في معسكر العرقوب بخولان، الأمر الذي يعني تطويق العاصمة، ناهيك عن معسكراتهم في عدن وغيرها، وأثار في نفسي شخصياً تهديد البيض بعد انقلاب يناير بالانتقام من صنعاء، وإصرار الاشتراكي والناصري على إخراج معسكرات الفرقة والأمن المركزي والحرس من صنعاء لإخلائها أمام أي غزو محتمل، وهو ما تنبه له صالح ومحسن في حينه فرفضا رفضاً قاطعاً خروجهما من صنعاء، وهو الخطأ الفادح الذي سيرتكبه هادي لاحقاً في سبتمبر عام 2014 عند غزو الحوثي للعاصمة صنعاء وإخلائها أمام زحف المليشيات الغازية.
بينما على الطرف الآخر كانت ألوية العمالقة الشمالية في أبين، واللواء الثاني مدرع في منطقة الراحة بالحبيلين ردفان، وهو ما اعتبره الاشتراكي تربصاً بالعاصمة عدن أيضاً وقطع طريق الإمداد عليها وحاصرة بواباتها ولا يقول الشيء نفسه عن صنعاء، كما هو الحال في وجود معسكرين آخرين للطرفين في قعطبة.
قبل انفجار الحرب والصدام بين اللواء الثالث مدرع الجنوبي بقيادة العقيد يحيى داحش العبدي، وهذا الأخير من عيال سريح من محافظة عمران وليس جنوبياً، واللواء الأول مدرع الشمالي بقيادة العميد حميد القشيبي في 27 ابريل 1994 كان القيادي الاشتراكي مجاهد القهالي قد قام بإحداث قطاع قبلي لخط عمران صنعاء، وكان القهالي ضمن مشايخ آخرين من بكيل وغيرها زاروا علي سالم البيض في مواكب مختلفة إلى عدن قبل الحرب، وأكدوا له أنهم سيناصرونه في أية معركة ضد صالح، وأنهم ملتفون حوله وسيحولونه إلى زعيم لليمن كلها بدل صالح، وكانت بعض بكيل مناصرة للاشتراكي واليسار عموماً عبر مراحله التاريخية من أيام مطيع دماج بعد الثورة وصولاً إلى بني لحوم والقهالي وغيرهم في تلك الأثناء.
في تلك الظروف كُلف اللواء الأول مدفعية (شمالي) بقيادة العميد علي عمران (من خمر حاشد) بالخروج من معسكر الفرقة الأولى مدرع لرفع ذلك القطاع القبلي والذي سيتطور فيما بعد للصدام الأول في عمران مساندة للواء الأول مدرع بقيادة القشيبي وتفجير شرارة حرب 1994.
كنت أحد عسكريي ذلك اللواء، وتربطني علاقات جيدة ببعض الضباط المحترمين هناك إلا قائد اللواء الذي كان يتعامل معنا بعنصرية مناطقية مقيتة وحزبية متعصبة، ويتهمنا بمناصرة الاشتراكي حينها، ولذلك خرجت الكتيبتان الأولى والثانية من اللواء مسلحة تسليحاً كاملاً، في حين منع عني أي تسليح وصادر مرتباتي ومرتبات آخرين فضلاً عن مصادرة رتبي العسكرية ومنعي من مواصلة الدراسة الجامعية، كل ذلك بتهمة انتسابنا للاشتراكي ومناصرة الحزب كوننا من محافظة تعز التي لم يستطع العسكر/الشمال هضمها يوماً حتى منذ عهد الإمامة، وحاولت معه مراراً وتكراراً لتسليحي والدفاع عن نفسي في حالة انفجار الحرب، فأصر على عدم التسليح، ووجه باعتقالي حينها لولا تدخل بعض الضباط لحل الموضوع.
ليلة انفجار الحرب دخلت خيمة الضباط بشكل مفاجئ نظراً لعلاقتي الودية بهم ففوجئت ببعض الضباط يرفعون تقريراً للقيادة على أن الحرب توشك أن تنفجر الليلة أو غداً في المعسكر، وبينما لم أكن مسلحاً وأنا أرى رأي العين قيام الحرب التي كنت أتحدث عنها منذ عام 1992 وأنا أفكر في مآلات وأسباب تلك الحرب أنها صراع عبثي على المناصب والغنائم والسلطة بين صالح والبيض؛ الاشتراكي وحلفائه والمؤتمر وحلفائه، وأننا كعسكريين نقدم وقوداً لذلك العبث والصراع، بينما نحن أكثر الناس معاناة وخذلاناً، فانسحبت إلى صنعاء، واستأذنت بحجة إيقاف الدراسة، وقد كنت وزملاء آخرين أساساً نتجنب هذه الحرب وجاء عدم التسليح حجة تصب في صالحنا، وفي اليوم التالي علمنا بانفجار المعركة بين اللواءين وقت تناول وجبة الغداء ظهراً.
هناك محطة واحدة وهامة لا يتذكرها الناس، وكانت أهم سبب للحرب؛ فقد بدأت قوات الحزب الاشتراكي في الجنوب هجوماً على قوات العمالقة في محافظة أبين التي كانت بقيادة العميد علي بن علي الجائفي، وقيام الحزب بترحيل الضباط الشماليين من معسكري صلاح الدين في عدن والعند في لحج الذين كانوا يأخذون دورات عسكرية تأهيليلة ومضايقتهم قبل خطاب صالح يوم ٢٧ أبريل ١٩٩٤ الذي قال عنه البيض إنه خطاب إعلان الحرب، بينهم زملاء كثر.
بدأت الصراعات والأزمات بين قوات الاشتراكي وقوات العمالقة الشمالية من 20 فبراير 1994؛ أي قبل اندلاع الحرب الشاملة بثلاثة أشهر، وبعد توقيع وثيقةالعهد والاتفاق بشهر كامل، وكل طرف من الحزبين الحاكمين يروي رواية حول تلك الصراعات؛ فالاشتراكي يقول إن قوات العمالقة حاصرت مؤسسات الدولة في أبين وهي البادئة بالاشتباكات، والمؤتمر في صنعاء يقول إن العمالقة تعرضوا لهجوم وحصار من الاشتراكي بعد تغيير رئيس الوزراء حيدر العطاس بشكل انفرادي من معتكفه في عدن محافظ أبين الشمالي المؤتمري يحيى الراعي، وهو ما اعتبروه تغيير القيادات الشمالية تمهيداً لـ"جَنْوَبَة" كل المؤسسات، والسعي لفك الارتباط. وبالتالي تم إلغاء القرار من صنعاء، وعلى إثرها تحرك العمالقة لمساندته.
في حين وصل الصراع ذروته بين العمالقة وألوية الاشتراكي في أبين والبيضاء في 21 أبريل؛ أي قبل صدام عمران بأكثر من أسبوع، وقبل خطاب صالح في ميدان السبعين، في 21 أبريل 1994، وهذا يصحح اعتبار أن الحرب بدأت شرارتها في عمران؛ فقد كان التوسع في الحرب هناك لتكون حرباً شاملة بعد مقدمات العمالقة وغيرها.
في أبين قامت قوات من اللواء العشرين الجنوبي، لقطع الإمدادات عن قوات العمالقة المتمركزة في محافظة أبين، وكذا منع تحركاتها والاعتداء عليها ومحاصرتها، مما أدى إلى استخدام طائرات عمودية شمالية، في نقل الإمدادات لتلك القوات، بينما كان الاشتراكي يحرك قواته في البيضاء وكرش من محافظة لحج باتجاه تعز، وإغلاق منطقة الشريجة الحدودية السابقة بين الشطرين، وكذلك في قعطبة.
سيلاحظ القارئ أن هناك قوات جنوبية في ذمار وصنعاء وعمران والبيضاء وخولان، وقوات شمالية في أبين وبعضها في لحج وسيقول: كيف تحدثت عن عدم دمج الجيش وهذه الوحدات في الشمال والجنوب؟!
نعم كانت هذه المعسكرات شمالاً وجنوباً موجودة لا على أساس أنها معسكرات واحدة ومدمجة قواتها وأسلحتها؛ فقد كانت تتموضع في مناطقها فقط، أما القرار والعنصر البشري والتسليحي والمرجعية غير مدمجة، وكل جهة تتبع الدولة السابقة، ولم يتم دمجها إلا بعد حرب صيف 1994 نتيجة انهزام الاشتراكي وفوز الشرعية حينها.
مع بدء الحرب بين الطرفين انضم لقوات صالح ومحسن المعسكرات التابعة لعلي ناصر محمد وأنصاره بقيادة المقدم حينها عبد ربه منصور هادي وعبدالله علي عليوة وأحمد الحسني وآخرين، والتي تم تهجيرها بعد انقلاب يناير 86 ونزحت إلى الشمال، والتي كانت تستوطن مناطقنا في خدير وسامع من محافظة تعز، وكذلك البيضاء وقعطبة، بعد ذلك رفعت إلى صنعاء وما حولها بموجب تفاهمات قيادة الاشتراكي وعلي صالح قبل اتفاقية الوحدة، وتم توزيع بعضها على المعسكرات الشمالية، وكذلك بقية القوات التي خرجت عن طريق البيضاء ومارب بعد أحداث يناير، ناهيك عن تجنيد المزيد من مناطق أبين وشبوة.
كانت هناك سرية من بقايا تلك القوة، أو من قوة الجيش المتخرج حديثاً بقيت بشكل مستقل في الفرقة الأولى مدرع لم تكن محسوبة على أي لواء من ألوية الفرقة، لكنها ضمن جغرافية المشاة، وقد كنا نحتك بها وهم من أبين والضالع ولحج، والحقيقة أنهم كانوا في قمة الروعة ونبل الأخلاق والاستقامة، وكانوا متعطشين للتدين والثقافة الدينية، وكنت أعقد مقارنة بين ما يقال عنهم في الإعلام وما أجده على أرض الواقع فألعن التزييف الإعلامي عنهم، واندمجنا مع بعضنا كأشخاص متقاربين ثقافياً ومناطقياً ولهجة وحالة معيشية مهضومة.
كنا نقيم لهم حلقات تحفيظ قرآن في مسجد المعسكر دون تحفظ بين صلاتي المغرب والعشاء أنا وبعض الزملاء من تهامة بشكل فردي عفوي تلقائي لأنهم أحبوا أن يتعلموا القرآن معنا، إلا أن قائد لواء المدفعية حينذاك العميد علي عمران دبر لهم مكيدة الانقلاب على القيادة وعمل تخريب ومشاكل في المعسكر، هم منها براء، وتم تسريحهم وطردهم من الفرقة، وكم ساءنا ذلك الحدث والمكيدة.
القوات المحسوبة على علي ناصر بقيادة هادي والحسني فيما بعد تم استدعاؤها من قبل القيادات التي اندمجت في الجيش اليمني وصار ولاؤها للرئيس صالح، وانضمت قياداتها لحزب المؤتمر الشعبي العام، ولعبت دوراً محورياً وحاسماً في حرب 1994 لصالح الوحدة ضد الحزب الاشتراكي وكأنها ثأرت لنفسها من القتل والتهجير بعد تلك الأحداث.
عدت إلى مذكرات الرئيس علي ناصر محمد، وقد فصل في هذا الأمر كثيراً، ووجدت هذه النقطة تحديداً كما هي ويقول فيها: "صالح غزا الجنوب بقواتنا الجنوبية التي كانت معه في صنعاء بقيادة عبدربه وأحمد الحسني وعبدالله علي عليوة وآخرين".
.... يتبع