قراءة للبيان الإماراتي

قراءة للبيان الإماراتي

لا يمكن قراءة البيان الصادر عن وزارة الخارجية الإماراتية بمعزل عن لحظته السياسية، ولا عن السياق الميداني المتفجر في اليمن، ولا عن التوازنات الدقيقة داخل التحالف العربي نفسه فالبيان، على قصره، لا يندرج ضمن خانة المجاملات البروتوكولية المعتادة، بل يمثل رسالة سياسية محسوبة بعناية، تحمل أكثر مما تقول، وتخفي بقدر ما تظهر.

اختارت الإمارات أن تفتتح بيانها بالترحيب الصريح بـالجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية لدعم الأمن والاستقرار في اليمن هذه الصياغة ليست لغوية فقط، بل سياسية بامتياز فهي تعيد تثبيت حقيقة أساسية مفادها أن الرياض هي مركز الثقل في إدارة الملف اليمني، وأن أي مسار للتهدئة أو إعادة ضبط الأوضاع يمر عبرها.

بهذا المعنى، لا يقرأ البيان كدعم للجهود السعودية فحسب، بل كـإقرار إماراتي علني بقيادة السعودية للمرحلة، في وقت تتصاعد فيه الشكوك والاتهامات داخل الساحة اليمنية حول تضارب الأدوار داخل التحالف.

يتجنب البيان الخوض في التفاصيل اليمنية الشائكة، فلا يسمي أطرافًا، ولا يعلق على تحركات عسكرية أو اصطفافات محلية، بل يلوذ بخطاب الدولة الأمن، الاستقرار، التنمية، مصالح الشعب اليمني، وأمن المنطقة.

هذا الاختيار ليس بريئًا، بل هو محاولة واعية لإعادة التموضع الإماراتي داخل خطاب الاستقرار الإقليمي، والابتعاد عن صورة الفاعل المتداخل في تشظي القوى المحلية فالبيان لا يدافع عن أدوات، ولا يبرر أدوارًا ميدانية، بل يضع الإمارات في موقع الداعم للمسار لا صانع الوقائع.

عندما يربط البيان الجهود السعودية بـ خدمة مصالح الشعب اليمني وتحقيق تطلعاته المشروعة، فهو لا يقدم توصيفًا أخلاقيًا فقط، بل يضع معيارًا سياسيًا:
الاستقرار هو الغاية، والتنمية هي المقياس، وأي سلوك خارج هذا الإطار يصبح ضمنيًا موضع مساءلة سياسية.

هذه الصياغة تحول مصلحة الشعب إلى سقف ضاغط على القوى اليمنية كافة، دون أن تدخل الإمارات في مواجهة مباشرة مع أي طرف، لكنها في الوقت نفسه ترفع كلفة التصعيد والانفلات.

في توقيت يشهد تحركات أحادية، وتصعيدًا ميدانيًا، ومحاولات فرض وقائع بالقوة، يأتي البيان الإماراتي ليقول ما يلي دون أن ينطق به صراحة التهدئة خيار استراتيجي مدعوم خليجيًا، التصعيد يضع فاعليه خارج منطق أمن المنطقة، والمرحلة لم تعد تحتمل مغامرات سياسية أو عسكرية منفردة.

إنها لغة الردع الدبلوماسي الناعم: لا تهديد مباشر، ولا إدانة، لكن رسم واضح لخطوط السلوك المقبول.

ما يغيب عن البيان… ويثير الأسئلة

رغم قوة البيان على مستوى التوقيت والرسائل، إلا أنه يترك فراغًا ملحوظًا في نقطتين جوهريتين:

1. غياب التأكيد الصريح على وحدة القرار السيادي اليمني ومؤسسات الدولة، وهو غياب يفتح باب التأويل داخل الداخل اليمني، كما تجاهل الحديث عن الوحدة اليمنية.

2. غياب أي إشارة لحماية المدنيين أو منع الانتهاكات، ما يجعل البيان سياسيًا أكثر منه ضامنًا للسلوك على الأرض.

وهذا الغياب لا يعني موقفًا سلبيًا بالضرورة، لكنه يعكس رغبة إماراتية في البقاء داخل مساحة الوسيط الداعم لا الطرف المُلزم.

البيان الإماراتي هو بيان إدارة مرحلة لا إدارة صراع.
بيان يهدف إلى، تثبيت القيادة السعودية للمسار اليمني، تخفيف منسوب التوتر داخل التحالف، إرسال رسائل انضباط للقوى اليمنية دون الاصطدام بها، وإعادة تأطير الدور الإماراتي كعامل استقرار إقليمي.

اللحظة لحظة تهدئة، ومن يخرج عنها سيتحمل كلفة الخروج عن الإجماع، لا عن بيان واحد.