‘‘الانتقالي’’ وترف الانفصال في اليمن
آخر ما ينتظره المواطن اليمني اليوم هو حرب جديدة ومغامرات جديدة. شعب عانى لعقود طويلة من الحروب والنزاعات والمغامرات، وكان يعتقد أنه قاب قوسين أو أدنى من تصفية ملف الحوثي، فإذا به يطعن في ظهره بمشروع انفصالي يشتت الجبهة المناهضة للحوثيين، وينقل الصراع من مواجهة واضحة المعالم إلى شبكة نزاعات جديدة متداخلة، بلا هدف ولا نهاية، ليمنح الحوثي مساحة سياسية وأمنية أوسع، ويعيد الصراع من مواجهة مع مشروع انقلابي إلى حال فوضى مفتوحة على كل الجبهات والاحتمالات والأطماع.
ما يجري اليوم في الجنوب اليمني يفتح باباً واسعاً للأسئلة الصعبة حول مستقبل الدولة اليمنية، ويضعف فكرة اليمن القابل للحياة، ويفتح المجال أمام نزاعات داخلية متكررة. فالجنوب ذاته ليس جهة واحدة ولا صوتاً واحداً، بل فضاء تتعدد فيه الهويات السياسية والقبلية في حضرموت والمهرة وشبوة وعدن. وأي محاولة لاحتكار التمثيل ستكون مجرد بداية لحرب عبثية جديدة. الذي يطالب اليوم بالانفصال عن الشمال سينتهي به الأمر مطالباً بتجزئة الجنوب حتى أصغر قرية، ومن ثم نهاية الدولة الجامعة.
ولا يمكن القفز فوق حقيقة أن أي مشروع انفصالي لا يستند إلى تفويض شعبي شامل وواضح يبقى مشروعاً نخبوياً مسلحاً لا مشروع بناء دولة. فالانفصال، إن كان خياراً سياسياً جاداً، يفترض مساراً قانونياً واستفتاء حراً وإجماعاً واسعاً، لا فرض أمر واقع بقوة السلاح أو استدعاء خطاب المظلومية لتبرير مغامرة غير محسوبة، خصوصاً أن كل الخيارات مفتوحة بحسب نائب رئيس الائتلاف الوطني الجنوبي المستقل، علي المسلمان الذي قال أخيراً، "بعد استعادة الدولة لا مانع أن ندخل في خيارات أخرى من بينها الاستفتاء".
بيد أن ما يجري اليوم يفتقر إلى الحد الأدنى من الشرعية السياسية، ويعيد إنتاج منطق الانقلابات بأسماء مختلفة. فالقفز نحو الانفصال قبل إنهاء الحرب يعني عملياً إعادة ترتيب الأولويات لمصلحة الحوثي. وبدلاً من أن تكون البوصلة موجهة نحو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، يجري تفكيك المعسكر المناهض له، وتحويل الصراع إلى نزاعات جانبية تستنزف الجميع.
العبث بالجغرافيا اليمنية مقامرة خاسرة، لأن الخارج يبدل أوراقه عند أول مفترق، فيما تترك كلفة الفوضى على الأرض لليمنيين وحدهم، يدفعونها آمناً واستقراراً ومستقبلاً. وتجربة الحوثي مع الرهانات الخارجية شاهدة على ذلك حين تتغير الأولويات الدولية، فيتحول إلى مجرد ورقة مطروحة في البازار الدولي، تدار حولها المفاوضات، ويعاد تسعيرها سياسياً بانتظار صفقة تنتهي بتحييد قياداته أو تصفيتها.
نحن أمام انقلاب يعيد تشكيل المشهد اليمني من الداخل، ويفرض معادلات جديدة، بما تحمله من كلفة عالية على اليمنيين أولاً، وعلى المنطقة ثانياً. انقلاب سينتهي بالجنوب إلى ساحة متعددة السلطات والولاءات، تحكمها قوى سياسية وقبلية متناحرة، لها تاريخ طويل يعج بالثارات الموقوتة والتحالفات الهشة. وأي خلل داخلي سرعان ما يتجاوز حدوده الوطنية، ويضع الإقليم كله أمام اختبارات أمنية واقتصادية معقدة لا تملك المنطقة ترف خوضها في هذا التوقيت. فحالة الصراع الراهنة، وتحويل اليمن إلى نموذج فشل دائم، تخلق سابقة خطرة في مناطق يمنية أخرى، حيث تصبح الانقسامات خياراً سياسياً قابلاً للتكرار وسلاحاً تفاوضياً سهل الاستخدام.
الوحدة اليمنية الحالية تواجه تحديات حقيقية، لكنها تبقى أكثر قابلية لإعادة البناء من الذهاب إلى انفصال يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. فاليمن السعيد أمامه طريق طويل يتطلب مرجعية واحدة، وتدرجاً سياسياً، وتسوية تعترف بالجميع من دون أن تسمح بتفكيك الدولة. لأن أي حل لا يستند إلى دولة جامعة سيتحول عبئاً أمنياً دائماً.
*نقلاً عن "إندبندنت" عربية.