عن بيان المملكة العربية السعودية حول حضرموت والمهرة
جاء بيان المملكة العربية السعودية هذه المرة مختلفا، إذ حمل في طياته العديد من الدلالات والرسائل المباشرة وغير المباشرة، من أبرزها:
1- المتأمل لبيانات المملكة العربية السعودية خلال الخمس السنوات الماضية المتعلقة بالشأن اليمني، كانت خفيفة الحدة وعامة وتستخدم عبارات مثل "ضبط النفس" و"تغليب المصلحة الوطنية"، كما أنها في البيانات السابقة لا تسمي المخاطب ولا تذكر الأطراف المخالفة أو التي تختلف معها صراحة ولا تحدد من أخطأ، لكنها في البيان الأخير كانت حازمة وواضحة ولأول مرة -فيما يخص المناطق المحررة- تسمي الفعل المخالف ومن ارتكبه وماذا عليه أن يفعل.
2- هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيه المملكة الخطاب الحازم مع الانتقالي بعدما حاولت كثيرا استيعاب وامتصاص الخطوات والقرارات الأحادية التي كان ينفذها خلال السنوات الماضية.
3- بالرغم من اللغة الحازمة في البيان، إلا أن المملكة تحرص على عدم اندلاع حرب جنوبية-جنوبية في اليمن وتبحث عن آلية سلمية لمعالجة المشكلة.
4- يعيد البيان الاعتبار لمجلس القيادة الرئاسي بعد سلسلة من الممارسات والقرارات التي استهدفته وسعت إلى إضعافه، إلى جانب حملات إعلامية متواصلة حاولت النيل من رمزيته وحضوره وأهميته السياسية والقيادية خلال الأسابيع الماضية.
5- ركز البيان بشكل لافت على ذكر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، في إشارة واضحة إلى ضرورة معالجة حالة التشظي التي برزت مؤخرا، وما رافقها من صدور قرارات غير متوافق عليها، الأمر الذي أسهم في حالة من الفوضى. بمعنى، ذكر رئيس المجلس الرئاسي رسالة مفادها أن لمجلس القيادة الرئاسي قيادة واضحة تحظى بدعمها ولا يجوز تجاوزها أو القفز عليها.
5- البيان يضع المملكة في موقع الوسيط الضابط والضامن وليس مجرد الداعم المحايد، وهنا الضامن يعيد التأكيد على أن مجلس القيادة الرئاسي (الذي يعتبر الانتقالي جزءا منه) هو المرجعية في اليمن ولا يجب تجاوز التوافق في اتخاذ القرارات.
6- يوضح البيان أن المملكة لا تسعى إلى إسقاط الانتقالي أو إلغاء دوره، لكنها في الوقت ذاته ترفض أن يتحول إلى طرف معطل لأي توافق لاسيما ما يتعلق بالقضية الجنوبية والمناطق المحررة بشكل عام. ووفق هذا الموقف يصبح الانتقالي أمام خيارين لا ثالث لهما.. إما أن يتصرف كفاعل سياسي إيجابي ملتزم بالإجماع المحلي والإقليمي والدولي، أو أن ينظر إليه كجماعة خارجة عن هذا الإجماع ومتمردة عليه.
7- البيان أيضا يعطي القوى الحضرمية فرصة ومساحة سياسية أوسع للتحرك وتحقيق ذاتها وفرض وجودها إن أحسنت ذلك.
8- هناك رسالة غير مباشرة أخرى أرسلتها السعودية عبر هذا البيان، وهي موجهة للحوثيين والإيرانيين والمجتمع الإقليمي والدولي، مفادها أنها لا تزال مؤثرة وفاعلة في المشهد اليمني وليست في حالة انسحاب أو فراغ كما اعتقد البعض.
السؤال: ما هي خطوات الانتقالي خلال المرحلة القادمة؟!
هل سيحرض على احتواء موقف السعودية بدلا عن الصدام؟ أعني بالاحتواء هنا القبول بخسارة جزء من النفوذ في المحافظات الشرقية، لكي يحافظ على وجوده ويمكن وصف هذه الخطوة بـ"سياسية الاحتواء".
أم سيلجأ للمراوغة أي القبول الشكلي والإعلامي والبطء والهروب من التطبيق أو التطبيق الجزئي ويمكن وصف هذه الخطوة بـ"سياسية المراوغة".
أم سيرفض التجاوب ويختار "الصدام المباشر" وفي هذه الحالة أعتقد أن السعودية لن تدخل معه في حرب ولن تشجع حتى حرب جنوبية-جنوبية لكنها سترفع غطائها ويدها بما ينعكس بشكل سلبي سياسيا وأمنيا واقتصاديا على المناطق التي يسيطر عليها الانتقالي ويضع الأخير أمام تحديات صعبة للغاية على المدى المتوسط، في مقابل دعم متزايد للقوى الرافضة للانتقالي.