خطر يغفله الجميع في الشرق الأوسط
كان من المفترض أن يكون الهدوء الجديد في البحر الأحمر، وربما في اليمن، أحد أهم الآثار الإقليمية الأوسع نطاقاً التي نجمت عن وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبالفعل أوقف الحوثيون، وهم الجماعة المسلحة التي تسيطر على شمال اليمن بما في ذلك العاصمة صنعاء، والمتحالفة مع "حماس" وإيران، هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر وضد إسرائيل، وذلك نتيجة للهدنة، وبدا أن اتفاقاً سابقاً قامت سلطنة عُمان بالتوسط فيه بين الحوثيين والحكومة الأميركية لإبرامه، قد خفف من حدة التهديد المباشر الذي يشكله الحوثيون على الأصول الأميركية في الممر المائي.
وفي اليمن فإن هدنة هشة بقيت قائمة منذ ثلاثة أعوام ونصف العام خلال الحرب الأهلية بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دولياً، سارية، وعلى رغم أن الحوثيين لم يتعرضوا للهزيمة فقد بدا أن المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن الوضع في البلاد قد هدأ، وبات بمقدورهم أن يوجهوا اهتمامهم إلى أماكن أخرى.
لم يكد يمر أكثر من شهرين حتى بدأ هذا الهدوء النسبي بالتلاشي، ففي أوائل ديسمبر (كانون الأول) الماضي شن انفصاليون في جنوب اليمن حملة واسعة للسيطرة على أجزاء كبيرة من حضرموت، وهي منطقة نفطية متاخمة للحدود مع السعودية والمهرة، وهي محافظة مجاورة لسلطنة عُمان، وهذا الهجوم الذي قام به المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو أحد الفصائل التي تشارك في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ولكنه يدعو إلى استقلال جنوب اليمن، يشكل تحولاً جذرياً في موازين القوى الوطنية المنضوية تحت لواء حكومة البلاد، ومن المتوقع أن يشكل هجوم المجلس الانتقالي الجنوبي ذريعة لعمليات أوسع نطاقاً من قبل الحوثيين.
وبينما تتكشف فصول حملة المجلس الانتقالي الجنوبي، تعهد الحوثيون بتوسيع رقعة سيطرتهم لتشمل المناطق المنتجة للنفط والغاز شرق البلاد، وبمساعدة إيران ودول أخرى عمل الحوثيون بلا كلل على توسيع ترسانتهم من الأسلحة التقليدية المتطورة، كما كثفوا إنتاجهم المحلي للأسلحة حتى باتوا قادرين على تجميع الصواريخ الباليستية وتصنيع مسيّرات قصيرة المدى بصورة مستقلة، وعلاوة على ذلك تؤكد أفعال الجماعة وخطابها أنها ترغب في السيطرة على اليمن بأكمله ومن ثم الاستمرار في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، وإذا انهار وقف إطلاق النار في غزة فإن الحوثيين مستعدون لمواصلة هجماتهم على البحر الأحمر، والآن بعد أن رأوا مدى فعالية تلك الحملة فقد يقومون بإطلاقها من جديد لأسباب أخرى في المستقبل.
إن تجاهل الولايات المتحدة لليمن يجعلها عرضة للخطر، وقد اكتفت إدارة ترمب حتى الآن بفرض عقوبات على الحوثيين وحماية الهدنة الثنائية بين الولايات المتحدة والجماعة، على أمل أن تتولى إسرائيل وشركاء الولايات المتحدة في الخليج حل أي قضايا أخرى بأنفسهم، وأيضاً توقفت الإدارة الأميركية إلى حد كبير عن دعم الحكومة اليمنية ولم تعد تقدم قيادة دبلوماسية للجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الأهلية.
لكن في غياب إستراتيجية أميركية أوسع فقد يأتي الضغط المالي على الحوثيين بنتائج عكسية، فقبل تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي في ديسمبر الماضي لوحت قيادة الحوثيين بأنها قد تسعى إلى الاستيلاء على مزيد من الأراضي أو انتزاع تنازلات مالية، والآن جعلت الاضطرابات في الجنوب البلاد أكثر قابلية للاشتعال مما يهدد بإعادة إشعال صراع كان حتى الآن يصب في مصلحة الحوثيين، وأية عودة لحرب شاملة ستكون لها تداعيات في جميع أنحاء الخليج ومنطقة البحر الأحمر.
محور التحدي
فيما ينقشع غبار الحرب الإسرائيلية عن غزة يبرز الحوثيون الذين يشكلون حالاً شاذة، فبعد أن تعرضت "حماس" إلى هزيمة ساحقة وجرى القضاء على معظم قادة "حزب الله" اللبناني، كما سقط نظام بشار الأسد في سوريا وتجنبت الميليشيات الشيعية في العراق الصدام مع إسرائيل، بات باقي أعضاء محور المقاومة الإيرانية الذي كان يتمتع بنفوذ كبير في حال ضعف شديد، وفي المقابل ازداد الحوثيون جرأة بفعل الحرب في غزة والتي ساعدت قادتهم في زيادة صلابة جوهر الجماعة الأيديولوجي وتهميش البراغماتيين، وتعزيز الاعتقاد السائد بين أنصارهم بأنهم يؤدون مهمة مقدسة من أجل تحرير فلسطين وقلب النظام الإقليمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد حصد الحوثيون مكاسب ملموسة من تحديهم، فمن خلال البقاء في حال التأهب القصوى تجنبوا التعرض للمساءلة عن تفاقم الفقر وعن عدم دفع رواتب موظفي القطاع العام في المناطق التي يسيطرون عليها، وأيضاً استغلوا الصراع من أجل قمع خصومهم المفترضين وتضييق أي هامش للمعارضة وتشديد قبضتهم على السلطة، وفي هذه الأثناء أدى الصراع الشهير بين الحوثيين وإسرائيل إلى تدعيم عمليات التجنيد العسكري، بما في ذلك تجنيد الأطفال، كما جعل جهودهم الخاصة بتدريب جيل جديد وتلقينه أفكارهم أكثر سهولة، وبحلول عام 2024 جرى تقدير عدد مقاتلي الحوثيين بنحو 350 ألف مقاتل.
وقد تفاقم خطر الحوثيين مع تنامي قدراتهم العسكرية، فخلال المراحل الأولى من الحرب في غزة لم تتمكن صواريخ الحوثيين في معظمها من الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية، لكن بحلول مايو (أيار) الماضي أصبحت صواريخهم قادرة على ضرب مطار بن غوريون قرب تل أبيب، وفي سبتمبر (أيلول) 2025 استطاعت مسيّرات الحوثيين النفاذ بنجاح عبر الدفاعات الجوية الإسرائيلية، مما أسفر عن إصابة 20 شخصاً في إيلات بجروح وضرب مطار رامون القريب، وكذلك استهدفت صواريخ الحوثيين ينبع، وهو ميناء نفطي سعودي رئيس يقع على بعد نحو 1000 كيلومتر من الحدود اليمنية.
وفي الوقت ذاته عاد الصراع في غزة على الحوثيين بخبرة عملياتية ثمينة سمحت لهم بتحسين دقة استهدافهم واختبار أسلحة جديدة، بما في ذلك صواريخ باليستية مزودة بذخيرة عنقودية، ومن أجل توسيع ترسانتها عمدت الجماعة إلى تنويع سلاسل إمدادها وأقامت علاقات مع خصوم الولايات المتحدة، بما في ذلك الصين وروسيا إضافة إلى إيران، وقد زودت طهران الحوثيين بالأسلحة التقليدية والتدريب على مدى أعوام، وضاعفت هذا الدعم مع تراجع قوة حلفائها الإقليميين، لكن الحوثيين يستوردون الآن أيضاً مكونات ذات استخدام مزدوج ومواد عسكرية من الصين بغرض استخدامها في تصنيع الأسلحة محلياً، وفي سبتمبر الماضي فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 32 فرداً وكياناً مرتبطين بالحوثيين، بمن فيهم عدد من أولئك الذين يتخذون من الصين مقراً لهم، بتهمة جمع التبرعات غير المشروعة والتهريب وشراء الأسلحة.
وفي المقابل شاركت روسيا بيانات الاستهداف عبر الحرس الثوري الإيراني لكي تساعد الحوثيين في استهداف السفن الغربية، بحسب ما ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، وأيضاً زودت موسكو الحوثيين بالنفط من طريق ميناء الحديدة اليمني، وفي الصومال قدّم الحوثيون الأسلحة والتدريب لـ "حركة الشباب السنيّة" المتطرفة لقاء المال وشراكة محتملة لتعطيل الملاحة في خليج عدن، وأصبحت الصومال أيضاً مركزاً مهماً لعبور الأسلحة المهربة إلى مناطق سيطرة الحوثيين.
وقد أوضح زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي أن طموحات الجماعة لا تتوقف عند حدود اليمن، وفي الواقع كان توحيد العالم الإسلامي ضد النفوذ الغربي وإسرائيل جزءاً أساساً من منظومة الحوثيين الفكرية منذ تأسيس الجماعة أوائل الألفية الثانية، وهي مهمة تضخمت بصورة كبيرة بفعل الحرب في غزة، وقد أعلن الحوثي أن حصول جولات أخرى من القتال مع إسرائيل حتمية، ويتباهى الآن بأن حركته تقوم بتدريب أكثر من مليون مجاهد، وأن اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين يتصدر العالم العربي في الإنتاج والتصنيع العسكريين، وعلى رغم مزاعمه في شأن إنتاج الأسلحة كاذبة بصورة واضحة لكنها تعزز صورة الحوثيين عن أنفسهم كقوة المقاومة العربية الرائدة.
ضغوط بلا إستراتيجية سياسية
مع تزايد نفوذهم تلقى الحوثيون ضربات قاسية، فقد أدت عملية "الفارس الخشن"، وهي حملة قصف مكثفة استمرت 52 يوماً وبدأتها إدارة ترمب في مارس (آذار) الماضي إلى تدمير كثير من مستودعات الأسلحة والمصانع التابعة للحوثيين، على رغم أن الحجم الكامل للأضرار لا يزال غير واضح، وكذلك تمخض القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة هذا العام بإعادة تصنيف الجماعة منظمة إرهابية أجنبية عن فرض ضغوط اقتصادية على المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وذلك بمنع وصولها إلى النظام المصرفي الدولي.
وقد ألحقت الغارات الجوية التي شنتها إسرائيل منذ صيف عام 2024 أضراراً جسيمة بالمناطق التي يبسط الحوثيون سيطرتهم عليها، فتسببت بإغلاق المطار الدولي الوحيد في الشمال ودمرت جزءاً كبيراً من ميناء الحديدة، وتمخضت عن دمار هائل في البنية التحتية للكهرباء في اليمن، ولقد استهدفت إسرائيل أيضاً قيادة الحوثيين بنجاح نسبي، ففي أغسطس (آب) الماضي أسفرت غارة إسرائيلية عن مقتل رئيس الوزراء وعدد من أعضاء حكومة الحوثيين في صنعاء، ولم يكن أي منهم من المنظرين الأساس للحوثيين، وفي أكتوبر أكد الحوثيون اغتيال رئيس أركانهم، وهو إستراتيجي عسكري بارز، وعلى رغم أن هذه الهجمات لم تحقق نجاحاً يُذكر في الوصول إلى كبار قادة الجماعة لكنها أجبرتهم على الاختفاء وأبطأت اتصالاتهم وأثارت شائعات حول احتمال مصرع قياديين آخرين.
غير أن نهج واشنطن العام حيال اليمن مليء بالتناقضات، فعلى سبيل المثال وفرت الهدنة الثنائية التي أبرمتها الإدارة الأميركية مع الحوثيين في مايو الماضي سبيلاً لها للخروج سريعاً من عملية "الفارس الخشن" التي كلفت سلفاً أكثر من مليار دولار أميركي، واستُخدمت فيها موارد عسكرية ضخمة كانت مطلوبة في أماكن أخرى لكنها لم تمنع الحوثيين من مواصلة هجماتهم على أهداف غير أميركية في البحر الأحمر، أو إطلاق مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل، وكذلك فإنها لم تقدم إستراتيجية طويلة الأمد لحماية المصالح الأميركية في البحر الأحمر أو الخليج.
على النقيض من ذلك قدمت الهدنة التي سمحت لواشنطن بالانسحاب سياسياً وعسكرياً من اليمن للحوثيين فرصة لتصعيد معاركهم ضد أعدائهم الداخليين والإقليميين بكلفة أقل، وما زاد الطين بلة أن إدارة ترمب علقت معظم المساعدات الإنسانية لليمن، بما في ذلك في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية والتي تدعمها الولايات المتحدة ظاهرياً، ويعتبر هذا بمثابة ضربة قاصمة في بلد يطلب فيه 24 مليون شخص، أي غالبية السكان، مساعدات إنسانية، أكثر من 14 مليوناً منهم في أمس الحاجة إلى هذه المعونات.
وفي الوقت نفسه من خلال تشديد الإدارة الأميركية العقوبات وإغلاقها الطرق الدبلوماسية التي تهيئ للحوثيين مخرجاً، فإنها قضت على أي أمل في التوصل إلى اتفاق سلام عن طريق التفاوض في الوقت الراهن، ولم يعد هناك مبعوث للولايات المتحدة مخصص إلى اليمن مما يدل على مدى تراجع موقع هذا البلد على قائمة أولويات واشنطن، إذ لا تؤيد الإدارة العودة لصيغة ما قبل حرب غزة لتسوية النزاع اليمني، والتي كانت تدعو إلى موافقة الحوثيين على وقف إطلاق النار وقبول عملية سياسية لقاء مزايا مالية تشمل دفع رواتب القطاع العام، لكن قلة في واشنطن تعمل على إيجاد مسار بديل للمضي قدماً إلى الأمام.
صراع جديد على السلطة
مع وقوع الاضطرابات الجديدة في الجنوب قد تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون أزمة أوسع نطاقاً قريباً، وقد أعلن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي أن "الهدف التالي للجماعة هو صنعاء، سلمياً أو من طريق الحرب"، وأي اتفاق يسمح لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي بدعم المقاتلين على طول ساحل البحر الأحمر ومدينة مأرب من أجل استعادة الشمال من الحوثيين سيكون صعباً، ومن المرجح أن يتضمن ضمانات للحكم الذاتي الجنوبي وربما استفتاء في المستقبل، لكن ليس في هذا ما هو ممكن قبل أن يجري حل المأزق الحالي في حضرموت بطريقة تراعي المخاوف الأمنية السعودية.
الوقت قد يكون محدوداً، وهناك احتمال حقيقي لاندلاع قتال بين الفصائل الحكومية مما يمكّن الحوثيين من تحقيق مزيد من التقدم العسكري أو السياسي، وإذا أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي استقلاله، وهو أمر يتجنبه حالياً بسبب قلة الاعتراف الدولي، فقد تضطر القوات الشمالية لإعادة تنظيم صفوفها لمواجهته، وحتى لو لم تؤدِ تحركات المجلس إلى حرب واسعة فسيحتاج الحوثيون قريباً إلى تخفيف الضغط الاقتصادي عليهم، مما قد يدفعهم إلى السيطرة على موارد إضافية مثل محافظة مأرب الغنية بالنفط شرق صنعاء.
وبسبب ضعف موقف الحكومة اليمنية جراء تحركات الجنوب فقد يسعى الحوثيون إلى توسيع نفوذهم الإقليمي، بما في ذلك جذب زعماء القبائل المتحالفين مع الحكومة في مأرب للانضمام إليهم، مما يوفر لهم موارد إضافية لتسليح أنفسهم في صراعات مستقبلية مع الولايات المتحدة وحلفائها، ويقلل فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في اليمن.
لقد تعهد القادة الإسرائيليون بمعاقبة قيادة الحوثيين بسبب الهجمات الجريئة التي قاموا بها ضد إسرائيل، وأنشأت الحكومة الإسرائيلية وحدة استخباراتية جديدة تركز على اليمن، وإذا انهار وقف إطلاق النار في غزة فستُستأنف الاشتباكات بين الحوثيين وإسرائيل مما قد يصرف انتباه الحوثيين عن جبهات أخرى، ويوفر فرصاً عسكرية محتملة لخصومهم اليمنيين، ومع ذلك فلا يمكن لواشنطن الاعتماد على إسرائيل للتعامل مع تحدي الحوثيين.
الحوثيون بعيدون من إسرائيل ومتحصنون بصورة راسخة في مناطق ذات تضاريس جبلية شبيهة بأفغانستان، وكما أظهرت الحملات السعودية والأميركية سلفاً فإن من غير الممكن إلحاق هزيمة بالجماعة بالقصف الجوي وحده، وإضافة إلى ذلك تحظى إسرائيل بشعبية متدنية للغاية في المناطق التي تخضع لسيطرة الحوثيين، وإن أية ضربات إسرائيلية إضافية، ولا سيما التي تستهدف البنية التحتية المدنية، تهدد بحشد مزيد من اليمنيين العاديين ضد عدو خارجي مكروه، وحتى لو تمكنت إسرائيل من تنفيذ عمليات اغتيال أخرى في أوساط قياديين رفيعي المستوى، فقد يؤدي ذلك إلى ظهور قيادة حوثية أكثر تشدداً في صنعاء، أو إلى صراع جديد على السلطة من شأنه أن يزعزع استقرار المنطقة بطرق جديدة مختلفة.
من الألف إلى الياء
إن رغبة واشنطن في تجنب التورط في حرب باهظة الثمن في اليمن أمر يمكن تفهمه، فقد ألحق القصف الأميركي المكثف الذي استمر قرابة شهرين ربيع العام الماضي أضراراً بالحوثيين لكنه لم يغير سلوكهم أو يقوض سلطتهم، ويسلط الهجوم الجديد الذي يشنه المجلس الانتقالي الجنوبي الضوء على الانقسامات المتزايدة داخل التحالف الداعم للحكومة اليمنية التي تحظى باعتراف دولي، وعلى الطبيعة المعقدة والمتغيرة للسياسة الداخلية للبلاد، ولكن نظراً إلى موقع اليمن الإستراتيجي على ممر البحر الأحمر وقربه من حلفاء واشنطن الأساسيين في الخليج فإنه لا يمكن لإدارة ترمب أن تتحمل وجود فراغ سياسي.
وبغرض منع تمدد الصراع على رقعة أوسع فستحتاج الولايات المتحدة إلى تجديد التزامها إفراد قدر من الاهتمام الجاد لليمن، وأيضاً ينبغي على واشنطن أن تبذل مزيداً من الجهود من أجل مساعدة القوات اليمنية الموالية للحكومة في الحفاظ على خطوط المواجهة ذات الأهمية البالغة، بما في ذلك في مأرب وعلى طول ساحل البحر الأحمر، وذلك لإقناع الحوثيين بالتوصل إلى حل وسط، ويمكن أن تلعب الضمانات الأمنية الأميركية المعززة للسعودية والإمارات دوراً مهماً في هذا الصدد من خلال تقديم تطمينات بأن الولايات المتحدة ستساعد في الدفاع عنهما إذا تعرض أي منهما لهجوم من الحوثيين.
وكذلك يتعين على واشنطن أن تجدد دعمها لمسار دبلوماسي يجري تخصيصه لليمن، فالبلاد تعيش حال حرب منذ أكثر من 10 أعوام، وستترك الخسائر الفادحة التي لحقت بسكانها آثاراً على الأجيال المقبلة، والواقع أنه لا يمكن حل مشكلة الحوثيين والتحديات الداخلية الأوسع نطاقاً التي تواجه البلاد من خلال الضغوط الاقتصادية أو حملات القصف التي تقودها جهات خارجية فقط، فهناك حاجة إلى الإكراه، خصوصاً الضغط السياسي والعسكري الميداني من اليمنيين، لكن توفير مخرجات وحلول دبلوماسية لا يقل أهمية، ولهذه الغاية ينبغي على الولايات المتحدة التنسيق مع جميع الدول ذات المصلحة الحيوية في البلاد من أجل وضع خريطة طريق لتسوية خضعت للتعديل، إذ إن النظام الأمني الذي تسعى واشنطن إلى بنائه في الشرق الأوسط، والذي يتمحور حول الخليج في مرحلة ما بعد غزة، لن ينجح إذا انزلق اليمن إلى الفوضى.
إن إعادة الهدوء إلى اليمن لن يكون بالأمر السهل، ولا بد من أن تشمل الجهود الرامية إلى تحقيق هذا الهدف ضمانات أمنية للبحر الأحمر ودول الخليج المجاورة، علاوة على تلبية مطالب المجلس الانتقالي الجنوبي باستقلال الجنوب، وسيتطلب ذلك في نهاية المطاف إشراك الحوثيين في العملية السياسية وإعادة توجيه اهتمامهم نحو الشؤون الداخلية من خلال منحهم دوراً في بناء مستقبل أفضل.
قد تتعثر أية صفقة في ظل تضارب المصالح لكن الامتناع من القيام بأي شيء سيكون أسوأ بكثير، إذ سيضمن عملياً استمرار تمدد مشكلات اليمن إلى أحد أهم الممرات الملاحية في العالم وإلى منطقة الشرق الأوسط الأوسع، ولا يجب على واشنطن أن تقود المبادرة في اليمن بيد أن الأخطار جسيمة للغاية، ولا يمكنها أن تنأى بنفسها عن المبادرة أبداً.
*أبريل لونغلي ألي زميلة بارزة في معهد واشنطن وشغلت منصب كبيرة المستشارين السياسيين للمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن بين عامي 2020 و2024.
مترجم "فورين أفيرز"، 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025
*إندبندنت عربية